ترندرأي

عن «غرباء» الراحل بهاء عبد المجيد

في مرةٍ، استقبلت من القاص والروائي الراحل الدكتور بهاء عبد المجيد رسالة ترحيبٍ هادئةٍ مثل شخصيته تماماً، كانت رسالةً قصيرةً ورديت بالطريقة نفسها؛ وقتها كان عندي من ضمن أصدقاء «فيسبوك»، وأعرف بالطبع أنه روائي وقاص وأكاديمي يُدرس الأدب الإنجليزي في الجامعة، كنت أمتلكُ فقط 3 من أعماله الأدبية: «النوم مع الغرباء»، «خمارة المعبد»، والمجموعة القصصية «ورق الجنة»، في منتصف ديسمبر 2020 رحل الدكتور «بهاء» بسبب تطورات إصابته بكورونا.. كانت صدمةً للوسط الثقافي كله.

 

تعرضت روايته «النوم مع الغرباء» لانتقاداتٍ شأنها شأن أي عملٍ أدبيٍّ من الصعب أن يجد إعجاباً أو اتفاقاً من الجميع، وهذا مقبولٌ، فالأذواق مختلفة كما تعرف بالطبع؛ كانت أبرز الانتقادات الموجهة للرواية: تعدد القضايا التي تتناولها أو معالجة تلك القضايا بطريقةٍ سطحيةٍ، السرد بطريقة المستقبل، خلوها من الحوار، إقحام السياسة بها، الشخصيات غير المرسومة، عيوب في البناء، عدم منطقية بعض الأحداث خاصةً المرتبطة بوثائق اتفاقية «كامب ديفيد».

 

أغلبُ تلك الانتقادات أتفق معها وقد يراها آخرون غير صحيحةٍ، ولكن الحقيقة أنا أحب تلك الرواية، قرأتها مرتين، ودا يمكن لأني بحب الروايات اللي فيها «لمسة سياسية» خاصةً تلك التي صدرت قبل «ثورة يناير»، وأغلب تلك الأعمال أصدرتها «دار ميريت» الشهيرة التي خرج منها نجوم «جيل التسعينيات» في الكتابة، عندي حب شديد لقراءة الروايات التي دارت في الفترة ما قبل ثورة يناير، ورواية الدكتور بهاء عبد المجيد «النوم مع الغرباء» بها تلك الأجواء المحببة لي تماماً؛ أجواء عصر «مبارك» في رواياتٍ ما، اللمسة السياسية، الشخصيات «المتمردة» على واقعها حتى لو كان مُريحاً، الأحداث التي تدور في شوارع وسط البلد.. هذه «خلطة» تجذبني لقراءة أي عملٍ أدبيٍَ، وتجعلني أحتفظ به على عكس أعمالٍ أخرى أتخلص منها فور الانتهاء من قراءتها.

 

«باسم» بطل تلك الرواية هو نجل رجل يعمل في «جهاز سيادي»، ولكنه (أي باسم) شخص منفلت وشهواني ومتعدد العلاقات النسائية، يؤمن أنَّ الحياة هي الجـ.ـنس والمخـ..ــدرات والموسيقى كما كان يؤمن العالم في الستينيات، ولا أعرف من أين جاء بتلك النظرية، يُسافر «باسم» إلى أمريكا، أرض الأحلام، ويتعرض في منتصف التسعينيات للسجن بسبب قضايا عنف يرتكبه ضد زوجته الأجنبية، ثم غرامات لم يسددها لها بعد أن صارت طليقته، ثم إقامة غير شرعية، ويتعرض لسرقة وثائق خاصة بسيناريوهات اتفاقية «كامب ديفيد»، من قبل عشيقة له سيعرف لاحقاً أنها عميلة للمخابرات الروسية، وجانب «الوثائق» هذا كان غير منطقي وغريبا، يقول الكاتب إن بطل روايته أحضر تلك الوئاثق الخاصة بوالده من القاهرة لبيعها في أمريكا، أو لتأليف كتابٍ على طريقة الكتب السياسية الشهيرة لـ«هيكل» الذي كان صديقا لوالده.

 

عقب انتهاء أزماته في أمريكا، سيعود «باسم» إلى القاهرة ويمارس حياته المنفلتة ثانية مع العلاقات النسائية، والأمور غير المستقرة في الوظائف، وستعيش في أجواء وشوارع وسينمات ومقاهي «وسط البلد»، ستقرأ في الرواية عن الصراع بين الشرق والغرب، وعن شخصياتٍ غريبةٍ من جنسياتٍ مختلفةٍ يقابلها «باسم» في سجون أمريكا أو شوارعها، وستقرأ عن ضرب برجي التجارة العالميين في أمريكا، وغزو العراق، ستظهر لك شخصيات سياسية شهيرة؛ جيفارا، كاسترو، ماركس، لينين، سيقابلك حمدين صباحي في مظاهرةٍ أمام نقابة المحامين، يعترض المشاركون فيها على غزو العراق، ستقرأ عن ندوات حزب التجمع، المقالات ضد الحكومة في صحف المعارضة وأبرزها وقتها صحيفة «العربي الناصري».. شخصيات وقضايا غزيرة في عمل تتجاوز عدد صفحاته الـ 100 صفحة بقليلٍ.

 

آخر مشهدٍ في الرواية سيضعها ضمن فئة الروايات التي تنبأت باندلاع «ثورة يناير» كما يحلو لكثيرين تسمية بعض الأعمال الأدبية أو حتى الأفلام مثل «هي فوضى».. «باسم» يشارك في مظاهرة أمام «الحزب الناصري» بوسط البلد، يُطالب المشاركون في تلك المظاهرة بانتخاباتٍ نزيهةٍ، تنتهي الرواية بصوت الطلقات واندلاع «العنــــــــــــــ..ــــف» بين المتظاهرين والشرطة.

 

صدرت الطبعة الأولى من تلك الرواية عن دار ميريت عام 2005، وطبعة ثانية على نفقة المؤلف عام 2008، وأصدرت منها «منشورات الربيع» طبعةً أيضاً، فضلاً عن طبعات أخرى لدار «اكتب»… رحم الله القاص والروائي الدكتور بهاء عبد المجيد وغفر له.. هذه الرواية بدايةٌ لقراءة بقية أعماله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى